الشيخ محمد علي الأنصاري

551

الموسوعة الفقهية الميسرة

العقل قد يحكم بحكم لموضوع مع اجتماع قيوده من باب القدر المتيقّن ، فلا يحكم بانتفاء الحكم مع انتفاء بعض قيوده ؛ لاحتماله بقاء الملاك ، فلا إهمال في حكم العقل بحسب مقام الإثبات والدلالة ؛ لأنّه يدرك وجود الملاك ، وإنّما الإهمال في مقام الثبوت ؛ لعدم إحاطته - أي العقل - بجميع ما له دخل في الحكم . فحيث لا يحكم العقل بعدم الحكم مع انتفاء أحد القيود ، فيحتمل بقاء الحكم الشرعي ، فيستصحب « 1 » . لكن دفع السيّد الخوئي الإشكال بحمل كلام الشيخ على مسألة الحسن والقبح العقليّين ، بأن يكون حكم العقل بالحسن والقبح دركه لهما ، ودركه بحسن شيء أو قبحه - أو فقل حكمه بذلك - لا يمكن أن يكون مهملا ؛ فإنّ العقل لا يحكم بحسن شيء إلّا مع تشخيصه بجميع قيوده ، وكذلك القبح « 2 » . وحاصل كلامه : أنّ الإهمال في حكم العقل ممكن بمعنى عدم قدرته على الإحاطة بملاكات الأحكام الواقعيّة ، وأمّا بمعنى دركه لحسن الأشياء وقبحها ، فلا إهما في ذلك ؛ لأنّه لا يحكم بحسن شيء أو قبحه إلّا مع الإحاطة به بجميع قيوده . الإهمال في الحكم الشرعي : إنّ الحكم الشرعي قد يلاحظ باعتبار عالم الثبوت ، أو عالم الإثبات . أمّا بلحاظ عالم الإثبات ، فلا مانع من الإهمال فيه ، ومثاله : ما تقدّم من بيان أصل تشريع الأحكام في قالب خطابات خاصّة ؛ فإنّ مصلحة التدرّج في تشريع الأحكام تقتضي بيان الحكم مجملا ومهملا - من حيث بيان الأجزاء والشرائط - أوّلا ، ثمّ بيان تفاصيلها بالتدريج . وأمّا باللحاظ الأوّل ، فهل يمكن الإهمال فيه أم لا ؟ المعروف بين الأصوليّين عدم إمكانه ؛ لأن الحاكم - الآمر - الملتفت إلى انقسامات الحكم وظروفه ، لا يعقل أن يكون مهملا ؛ لأنّه إمّا أن يكون طالبا لها في حكمه أو لا ، ولا يعقل الإهمال ، فالذي يطلب الماء وهو ملتفت إلى أنّ للماء قسمين : حلوا ومالحا ، فإمّا أن يقيّد طلبه للماء بكونه حلوا أو يطلق - بأن يلحظ الإطلاق - ولا معنى لعدم لحاظه التقسيم أصلا . قال النائيني - في بحث التعبّدي والتوصّلي - : « . . . لعدم إمكان الإهمال الواقعي بالنسبة إلى الآمر الملتفت ؛ لوضوح أنّه لا بدّ من تصوّر موضوع حكمه ومتعلّقه ، فإذا كان ملتفتا إلى الانقسامات اللاحقة للموضوع أو المتعلّق ، فإمّا أن لا يعتبر فيه انقساما خاصّا فهو مطلق ، أو أن يعتبر فيه انقساما خاصّا فهو مقيّد » « 1 » .

--> ( 1 ) انظر : أجود التقريرات 2 : 351 - 352 ، وفوائد الأصول 4 : 321 . ( 2 ) انظر مصباح الأصول 3 : 34 - 35 . 1 فوائد الأصول ( 1 - 2 ) : 146 .